الشوكاني
368
فتح القدير
سورة طه الآية ( 58 - 59 ) قرأ الجمهور أن يفرط بفتح الياء وضم الراء ، ومعنى ذلك : أننا نخاف أن يعجل ويبادر بعقوبتنا ، يقال فرط منه أمر : أي بدر ، ومنه الفارط ، وهو الذي يتقدم القوم إلى الماء : أي يعذبنا عذاب الفارط في الذنب ، وهو المتقدم فيه ، كذا قال المبرد . وقال أيضا : فرط منه أمر وأفرط : أسرف ، وفرط : ترك . وقرأ ابن محيصن " يفرط " بضم الياء وفتح الراء : أي يحمله حامل على التسرع إلينا ، وقرأت طائفة بضم الياء وكسر الراء ، ومنهم ابن عباس ومجاهد وعكرمة من الإفراط : أي يشتط في أذيتنا . قال الراجز : قد أفرط العلج علينا وعجل ومعنى ( أو أن يطغى ) قد تقدم قريبا ، وجملة ( قال لا تخافا ) مستأنفة جواب سؤال مقدر ، نهى لهما عن الخوف الذي حصل معهما من فرعون ، ثم علل ذلك بقوله ( إنني معكما ) أي بالنصر لهما ، والمعونة على فرعون ، ومعنى ( أسمع وأرى ) إدراك ما يجري بينهما وبينه بحيث لا يخفى عليه سبحانه منه خافية ، وليس بغافل عنهما ، ثم أمرهما بإتيانه الذي هو عبارة عن الوصول إليه بعد أمرهما بالذهاب إليه فلا تكرار ( فقولا إنا رسولا ربك ) أرسلنا إليك ( فأرسل معنا بني إسرائيل ) أي خل عنهم وأطلقهم من الأسر ( ولا تعذبهم ) بالبقاء على ما كانوا عليه ، وقد كانوا عند فرعون في عذاب شديد : يذبح أبناءهم ، ويستحيي نساءهم ، ويكلفهم من العمل ما لا يطيقونه ، ثم أمرهما سبحانه أن يقولا لفرعون ( قد جئناك بآية من ربك ) قيل هي العصا واليد ، وقيل إن فرعون قال لهما : وما هي ؟ فأدخل موسى يده في جيب قميصه ، ثم أخرجها لها شعاع كشعاع الشمس ، فعجب فرعون من ذلك ، ولم يره موسى العصا إلا يوم الزينة ( والسلام على من اتبع الهدى ) أي السلامة . قال الزجاج : أي من اتبع الهدى سلم من سخط الله عز وجل ومن عذابه : وليس بتحية . قال : والدليل على ذلك أنه ليس بابتداء لقاء ولا خطاب . قال الفراء : السلام على من اتبع الهدى ، ولمن اتبع الهدى سواء ( إنا قد أوحى إلينا ) من جهة الله سبحانه ( أن العذاب على من كذب وتولى ) المراد بالعذاب : الهلاك والدمار في الدنيا والخلود في النار ، والمراد بالتكذيب : التكذيب بآيات الله وبرسله ، والتولي : الإعراض عن قبولها والإيمان بها ( قال فمن ربكما يا موسى ) أي قال فرعون لهما : فمن ربكما ؟ فأضاف الرب إليهما ولم يضفه إلى نفسه لعدم تصديقه لهما ولجحده للربوبية ، وخص موسى بالنداء لكونه الأصل في الرسالة ، وقيل لمطابقة رؤوس الآي ( قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ) أي قال موسى مجيبا له ، وربنا مبتدأ ، وخبره " الذي أعطى كل شئ خلقه " ويجوز أن يكون ربنا خبر مبتدأ محذوف ، وما بعده صفته ، قرأ الجمهور " خلقه " بسكون اللام ، وروى زائدة عن الأعمش أنه قرأ خلقه بفتح اللام على أنه فعل ، وهى قراءة ابن أبي إسحاق ، ورواها نصير عن الكسائي . فعلى القراءة الأولى يكون خلقه ثاني مفعولي أعطى والمعنى : أعطى كل شئ صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به المطابقة له كاليد للبطش ، والرجل للمشي واللسان للنطق ، والعين للنظر ، والأذن للسمع ، كذا قال الضحاك وغيره . وقال الحسن وقتادة : أعطى كل شئ صلاحه وهداه لما يصلحه . وقال مجاهد : المعنى لم يخلق خلق الإنسان في خلق البهائم ، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان ، ولكن خلق كل شئ فقدره تقديرا ، ومنه قول الشاعر : وله في كل شئ خلقه * وكذاك الله ما شاء فعل